الصافي مُكرَّماً في مؤتمر دولي تُنظّمه «الكسليك»… جبّارٌ لم يَمُت

جبلٌ شامخ كصنين وأرزة صامدة كأرز الرب، وسِمةُ فنٍّ عريق دُمِغت في تاريخ الثقافة اللبنانية والعربية. رسالة خُطّت كلماتها بحبر ينبض ألحاناً وصوتاً جبلياً أصيلاً. إسمه خالد أبداً في طيّات التاريخ وسيستمرّ إرثه الفنّي في التدفّق. إنه وديع الصافي، الصوت الجبلي الكبير الذي تُنظِّم جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمراً دولياً تخليداً لذكراه.

وديع الصافي

تنظّم كليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتعاون مع المجمع العربي للموسيقى، مؤتمراً دولياً بعنوان «وديع الصافي»، يشارك فيه محاضرون أتوا من الأردن، العراق، مصر والبحرين تكريماً له وعرفاناً بجميله ومساهمته في تطوير الغناء العربي. يستهدف المؤتمر أولاً
الموسيقيين الهواة الذين يهتّمون بنمط الصافي الغنائي، وثانياً المتعطّشين للفن الجميل الذي يتمثّل بالمحاضرات والحفلات الموسيقية. يبدأ المؤتمر اليوم الساعة التاسعة صباحاً، وينتهي السبت 12 تموز الساعة الثامنة مساءً.

ولهذه المناسبة أجرَت «الجمهورية» لقاء خاصاً مع عميد كلية الموسيقى الأب يوسف طنّوس، أشار فيه إلى أهمية هذا المؤتمر، وحدّد أهمية المحاضرات التي سَتُنظّم، قائلاً: «سنعيد بثّ الأسس التي عمل عليها الصافي، ونوضِح كيف استطاع خلق مدرسة خاصة له في الغناء. فهو يعترف بأنّ موهبته هِبة من الله، لذلك سنعرض في المؤتمر طريقة تنميته لهذه الموهبة».

وأشار إلى أنّ ما يُميّز الصافي هو أنه «احتفظ بتواضعه على رغم عظمته، فالسُنبلة المليئة بالقمح تحني رأسها. وهذا ما خلق تراثاً وفنّاً أصيلين، لأنّ الصافي أخذ موسيقاه من مصادر عدّة وعدَّلها بطريقة تتناسب مع لونه، على سبيل المثل اللبناني القائل: الأرض الواطيه بتشرَب مَيّتها ومَيّة غيرها.

فهو أقام حوارات غنائية عدة مع فيروز وصباح، وغَنّى اللهجة المصرية وغيرها، لكنه حافظ على الطابع اللبناني الذي تغنّى به. فالألوان الغنائية التي غنّاها الصافي كثيرة وتتمثّل في أغنيات: «لبنان يا قطعة سما»، «يا مهاجرين ارجعوا»، «رَح حلّفك بالغصن يا عصفور».

وسيسلَّط الضوء عليها في قسمَي المؤتمر: الأول هو المحاضرات التي تحصل خلال النهار، والثاني في الأمسيات الموسيقية التي تبدأ كل ليلة عند الثامنة مساء. والحفل الأول تحييه فرقة الغناء العربي بقيادة الأستاذة غادة شبير، فيما تُحيي الثاني جوقة الكسليك التي ستغنّي ابتهالات الصافي وأغنياته. أمّا يوم الجمعة 11 تموز فسيشهد مباراة في «غناء الصافي»، سيشارك فيها 8 متبارين أتوا من الأردن وسوريا ولبنان.

محاور المحاضرات تناولت مواضيع «موّال الصافي» الذي تميّز فيه، فنادراً ما نجَد أغنية له خالية من موّال، «الأنواع الغنائية» التي تأتي من تنوّع المُلحّنين والشعراء الذين عمل معهم، «يا مهاجرين ارجعوا» وهو موضوع لطالما غنّى له الصافي. فالهجرة تُحزنه، لذلك كان يغنّي في جولاته حول العالم إلى المغتربين لكي يعودوا إلى لبنان. فكانت أغنياته تحمل مواضيع جمّة لها رسائل معيّنة موجّهة إلى الجمهور.

ترسيخاً لذكراه

ولدى سؤال الأب طنّوس عن هدف المؤتمر، أخذ يسترسل في وصف الصافي، قائلاً: «هو أشهر من أن يُعرَّف، فقد خَلَقَ مدرسة موسيقية على الصعيدين اللبناني والعربي. هو صوت لا يمكن أن يتكرّر إن لجهة الموهبة أو الإنجازات التي حقّقها على صعيد ترسيخ الأغنية اللبنانية. كثيرون ينسبون إليه صفة رمز الأغنية اللبنانية من خلال الموّالات التي يغنّيها والمعروفة بـ»غناء الضيعة». وقد وضع الله على طريق وديع شعراء مُهمّين جدّاً، استفادَ من خبراتهم وشِعرهم. وإلى جانب صوته الجميل، تميّز الصافي بأنه ملحّن أيضاً.

فهذا المزيج خلق منه فناناً لن يتكرّر، وذلك إضافة إلى موهبته الفطرية. كلّ ذلك سمح له بشقّ الطريق أمامه من أجل خلق مدرسة خاصة به. لم يصِل إلى خلق هذه المدرسة بسهولة، ولذلك، بعد غيابه عن الحياة، أردنا الإضاءة على إنجازاته لكي يبقى رمز الهوية العربية والموسيقية، خصوصاً مع الموجة الفنية الحالية التي ضَيّعت هذه الهوية». ويتابع الأب متحدثاً عن الأزمة الفنية التي نعيشها اليوم، فيقول: «موسيقى اليوم تشبه بعضها ولا تتميّز بهوية معيّنة، فهي خليط من أنواع عدة.

فالهوية الموسيقية التي لطالما اعتزّ الوطن العربي بها هي موسيقى الصافي، فيروز، الأخوين الرحباني، فيلمون وهبي، نصري شمس الدين، ويهمُّنا اليوم ترسيخ هذه الهوية في زمن الضياع والفوضى الفنية، خصوصاً للأجيال الصاعدة. فعدد كبير من الجيل الجديد لا يعرف من هو الصافي، لذلك ارتأينا في هذا المؤتمر تعريف الجيل الجديد إليه».

شامخ بصوته

يَعتبر عميد كلية الموسيقى أنّ «مساحة الصوت الكبيرة التي يتمتّع بها الصافي، إلى جانب موهبته الفطريّة، أضفَت على الغناء اللبناني هويته. فالغناء اللبناني يتميّز بالموّال الذي يشبه الجبل اللبناني الشامخ. فعندما يغنّي الصافي موّالاً، فهو يعلو بصوته كالجبل. وهذا النوع يبتعد عن «غناء الصحراء» الذي يكون هادئاً فلا يعلو ولا ينخفض، ويبتعد أيضاً عن «غناء البادية» أو «غناء البحر» المتموّج كالموج».

ويتابع: «إضافة إلى صوته وألحانه، غَنّى الصافي مختلف الألوان الغنائية من «البدوي» إلى «الجبلي» و»الساحلي» و»القصيد» و»الموشّح»، لذلك هو شخصية فنية متكاملة. هو ملحّن، مطرب ومؤدّ، وهذه الصفات الثلاث سمحت له بخلق مدرسته ولونه الخاص. هذه الحركة الفنية التراثية تحتاج دعماً من وسائل الإعلام التي تركّز فقط على نوع واحد من الغناء، لذلك نجد أنّ الشباب يتمثّلون بهذا النمط الغنائي لأنهم لا يعرفون غيره».

ويردف: «انطلقَ وديع من التراث كالأخوين الرحباني، فبنى فنّه على هذا التراث. من هنا يأتي هدف المؤتمر الذي يتمثّل في تعريف المشاركين إلى أنماط غنائه وشِعر أغنياته، فهو غَنّى بالفصحى والعامّية والبدوي، أخذ كلمات أغنياته من مختلف شعراء العرب، وغنّى ابتهالات دينيّة مثلما غنّى طرباً وغزلاً… هذا النهج الذي اعتمده والذي خلقه، أسّس به مدرسة ندرّسها لطلّابنا، إلى درجة أنّ برامج المباراة الغنائية التي تُعرض اليوم تتضمّن «فئة وديع الصافي».

لكنّ السؤال الأساسي هو هل الذين نجحوا عن هذه الفئة لا يزالون يغنّون للصافي؟ المشكلة اليوم هي أنّ الفنانين الصاعدين يركّزون على شكلهم الخارجي فقط من دون التركيز على الصوت. وهذه المشكلة خطيرة، لأنّنا إذا استمرّينا في هذا النهج سنخسر ثقافتنا الفنيّة. هذا المؤتمر يذكّر بالثوابت التي يجب أن نحافظ عليها، فمنذ ثلاث سنوات أقمنا مؤتمر «الأخوين الرحباني»، واليوم نقيم مؤتمر «وديع الصافي».

ويضيف الأب طنّوس أنّ الفنان العظيم، كالصافي، يستمرّ بمجده حتى بعد وفاته «فنحن كرّمناه عندما كان لا يزال موجوداً بيننا واليوم لا يزال حيّاً من خلال أغنياته وفنّه. والدولة التي لا تقدّر مواهب أبنائها وتكتفي بتقديم دروع لهم بعد مماتهم، هي غير متحضّرة. فالدول المتحضّرة ثقافياً وفنياً تهتمّ بكلّ فنان ومثقّف لكي يستمرّ في العطاء الفني. لأنّ عطاءه الفنّي هو منارة البلد، وليس السياسة مثلما يظنّ الجميع.

الفن هو الذي يسيّر عجلة البلد الإقتصادية، فالحركة السياحية التي تمتّع بها لبنان سابقاً تعود إلى كونه منارة ثقافية آنذاك. لذا، من المؤسف أنّ قلّة من المسؤولين في الدولة يهتمون بالثقافة. إنّ إرث الصافي لم يمت معه، بل هو مستمرّ من خلال الطلّاب الذين يدرسون نَهجه، ومن خلال المؤتمر الذي نُنظّمهُ اليوم. وهذا خير دليل على أننا نكرّم الصافي في مماته وفي حياته».

مدرسة الصافي

يفسِّر الأب طنّوس ما يُقصَد بمدرسة الصافي الغنائية، فيقول: «هو الأسلوب الفني لناحية نوعية الألحان، خامة الصوت، العُرَب الصوتية، القفلات التي يستخدمها، مدى الصوت والمواضيع المغنّاة. فكلّ هذه الخصائص تشكّل الأسلوب الغنائي والتلحيني الذي بات يُعرف اليوم بأسلوب وديع الصافي الذي ندرّسه لطلابنا. ونحن نركّز على هذه المدرسة لأنّ الصافي هويتنا ونحن نفتخر بها».

في بلدٍ يفوح من أرضه عطر الثقافة والفنّ، لا نستغرب تكريم كبار كالصافي. فلبنان يتباهى بهؤلاء الجبابرة الذين يرفعون اسمه عالياً، وسيظلّ يفتخر بهم لأنه لا يخرّج إلّا العظماء من مدرسة الثقافة والحياة.

المصدر: الجمهورية

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Facebook IconYouTube IconTwitter IconFollow us on Instagram